ابن النديم البغدادي
407
فهرست ابن النديم
فأدركه الثلج والليل برستاق ميمد ، فعاج إلى قرية بلال اباذ فسأل جزيرها إنزاله . فمضى به بالاستخفاف منه بجاويدان ، فأنزله على أم بابك وما تستبيت من ضنك وعدم . فقامت إلى نار فأججتها ، ولم تقدر على غيرها . وقام بابك إلى غلمانه ودوابه ، فخدمهم واسقي لهم الماء . وبعث به جاويدان ، فابتاع له طعاما وشرابا وعلفا واتاه به ، وخاطبه وناطقه فوجده على رداءة حاله وتعقد لسانه بالأعجمية فهما ورآه خبيثا شهما ، فقال لامه : أيتها المرأة انا رجل من جبل البذ ، ولى بها حال ويسار ، وانا محتاج إلى ابنك هذا فادفعيه إلى لأمضي به معي ، فأوكله بضياعي وأموالي ، وابعث بأجرته إليك في كل شهر خمسين درهما . فقالت له : انك لشبيه بالخير ، وان آثار السعة عليك ظاهرة ، وقد سكن قلبي إليك ، فانهضه معك إذا نهضت . ثم إن أبا عمران نهض من جبله إلى جاويدان ، فحاربه فهزم ، فقتل جاويدان أبا عمران ورجع إلى جبله ، وبه طعنة أجافته ( 1 ) ، فأقام في منزله ثلاثة أيام . ثم مات . وكانت امرأة جاويدان تتعشق بابكا وكان يفجر بها ، فلما مات جاويدان ، قالت له : انك جلد شهم ، وقد مات ، ولم ارفع بذلك صوتي إلى أحد من أصحابه ، فتهيأ لغد ، فأني جامعتهم إليك ومعلمتهم ان جاويدان قال إني أريد ان أموت في هذه الليلة ، وان روحي تخرج من بدني وتدخل في بدن بابك وتشترك مع روحه ، وانه سيبلغ بنفسه وبكم أمرا لم يبلغه أحد ، ولا يبلغه بعده أحد وانه يملك الأرض ويقتل الجبابرة ويرد المزدكية ويعز به ذليلكم ويرفع ( 2 ) به وضيعكم ، فطمع بابك فيما قالت له ، واستبشر به وتهيأ له . فلما أصبحت ، تجمع إليها جيش جاويدان ، فقالوا : كيف لم يدع بنا ويوصى إلينا . قالت : ما منعه من ذلك الا انكم كنتم متفرقين في منازلكم من القرى وانه ان بعث وجمعكم انتشر خبره ، فلم يأمن عليكم شرة العرب ، فعهد إلى بما انا اؤديه إليكم ان قبلتموه وعملتم به . فقالوا لها : قولي ما عهد إليك ، فإنه لم تكن معنا مخالفة لامره أيام حياته وليس معنا مخالفة له بعد موته . قالت : قال لي انى أموت في ليلتي هذه وان روحي تخرج من جسده وتدخل بدن هذا الغلام خادمي وقد رأيت أن أملكه على أصحابي ، فإذا مت فاعلميهم ذلك ، وانه لا دين لمن خالفني فيه ، واختار لنفسه خلاف اختياري . قالوا : قد قبلنا عهده إليك في هذا الغلام . فدعت ببقرة فأمرت بقتلها وسلخها وبسط جلدها ، وصيرت على الجلد طستا مملوا خمرا ، وكسرت فيه خبزا ، فصيرته حوالي الطست ، ثم دعت برجل رجل ، فقالت : طأ الجلد برجلك وخذ كسرة واغمسها في الخمر وكلها ، وقل آمنت بك يا روح بابك ، كما آمنت بروح جاويدان ، ثم خذ بيد بابك فكفر عليها وقبلها . ففعلوا ذلك إلى وقت ما تهيأ لها فيه طعام ، ثم أحضرتهم الطعام والشراب ، وأقعدته على فراشها وقعدت معه ظاهرة لهم . فلما شربوا ثلاثا ثلاثا ، اخذت طاقة ريحان فدفعتها إلى بابك فتناولها من يدها ، وذلك تزويجهم . فنهضوا فكفروا لهما رضا بالتزويج . والمسلمون عربيهم ( 3 ) ومواليهم . المذاهب التي حدثت بخراساني في الاسلام من مذاهب المجوس والخرمية ( 4 ) ظهر في صدر الدولة العباسية وقبل ظهور أبى العباس رجل يقال له بها فريد من قرية يقال لها روى من ابرشهر . مجوسي يصلى الصلوات الخمس بلا سجود ، متياسر عن القبلة . وتكهن ودعا المجوس إلى مذهبه ، فاستجاب له خلق كثير . فوجه إليه أبو مسلم شبيب بن داح وعبد الله بن سعيد . فعرضا عليه الاسلام وأسلم وسود . ثم لم يقبل اسلامه لتكهنه فقتل ، وعلى مذهبه بخراسان جماعة إلى هذا الوقت .
--> 1 - ف ( إخافته ) . 2 ( ويرتفع ) . 3 ف ( وغريبهم ) . 4 ف ( الحرمية ) .